ماذا تعرف عن هؤلاء
محمد عبد الوهاب

بقلم د. عبد الكريم وزيزة

18سبتمبر 2005
ولد الموسيقار الراحل محمد عبد الوهاب عام 1901م بقرية (بني عباس – مركز أبو كبير –بمحافظة الشرقية) بدلتا النيل بمصر وليس مثل ما تذكر العديد من المراجع أنه ولد بحي باب الشعرية بالقاهرة لكنه انتقل بعد ولادته بقرية بني عباس مع عائلته إلى القاهرة في باب الشعرية ليحفظ القرآن الكريم وهو في سن السابعة، حيث كانت البداية عندما يرتل القرآن بصوته العذب في شغف أطرب آذان الناس حتى اشتهر وذاع سيطه بينهم، وتأثر بقراءة القرآن الكريم من أمثال الشيخ محمد رفعت والشيخ علي محمود والشيخ منصور بدران.
ظهر مع منيرة المهدية في رواية (شهر زاد) كبديل لسيد درويش كما مثل وغنى معها أوبريت (كيلوبترا) عام 1927م حفظ التراث الغنائي القديم واستوعبه واختزنه في الذاكرة وسجل منه موشح (ملا الكاسات) لمحمد عثمان و (أنا هويت) لسيد درويش.
كان عبد الوهاب يغني للأطفال في الحارة وفي ذات يوم استوقفه رجل بعد أن سمع صوته وأعجب به، وكان هذا الرجل هو محمد يوسف، وهو من أشهر أعضاء الكورس في الفرقة التي كانت تطوف البلاد والقرى والموالد.
ويذكر أنه بجانب التكوين الفني لمحمد عبد الوهاب من خلال تلاوته وتجويده للقرآن الكريم، وحضوره لحلقات الذكر وسهرات المنشدين الدينية، كان منفتح الذهن والقلب ويستلهم فكره وثقافته من أحمد شوقي والعقاد والمازني وطه حسين، فكان صديقا للجميع مع اختلاف أفكارهم ومعتقداتهم الثقافية والفكرية والأدبية وكان الفن لديه دائما إحساس بالمسؤولية.
أقام الشاعر الكبير أحمد شوقي حفلة في منزله كرم ابن هانئ بمناسبة زفاف ابنه الأكبر علي وحضر الحفل الزعيم سعد زغلول وكبار الأدباء والعلماء والسياسيين، وسمعوا عبد الوهاب وهو يغني فوقفوا يتهامسون بأنه أمل الموسيقى الجديدة.
وبعد أن أكمل عبد الوهاب تلحين رواية كيلوبترا التي اقتبسها للمسرح (سليم نملة ويونس القاضي) لفرقة (منيرة المهدية) أصبح عملاق النغمة الجديدة عبد الوهاب امتدادا للعملاق الأول سيد درويش.
وفي عام 1932م كان عبد الوهاب قد نضج واشتهر في كل أرجاء المعمورة والأقطار العربية وذات ليلة عرض عليه (توفيق المردلي) صديقه الاشتغال بالسينما وذهب معاً الى المخرج (محمد كريم) مخرج جميع أفلامه.
وكانت أغاني عبد الوهاب في تلك الفترة هي( كلنا نحب القمر – يا جارة الوادي لى غصن الوان – خايف أقول اللي في قلي – اللي انكتب على الجبين) و تم اللقاء الذي اثمر اول فيلم غنائي للمطرب الأول في مصر و تم اخراج الفيلم في باريس لأن مصر لم يكن فيها استديو للأفلام الناطقة ، و كان أجر عبد الوهاب في (فيلم الوردة البيضاء) 450 جنيه وقصة الفيلم اشترك فيها كل من (سليمان بك نجيب و محمد كريم و توفيق البرندلس) و شارك أيضا عبد الوهاب بأفكاره و قام الشاعر (أحمد رامي) بتأليف أغاني الفيلم من ضمنها أغنية (يا وردة الحب الصافي) و نجح الفلم نجاحا كبيراً و توالت بعد ذلك الأفلام .
ومن أشهر أغاني عبد الوهاب في أفلامه:
(النيل نجاشي – اجري اجري – ما احلاها عيشة الفلاح – يا وابور قولي – أوبريت مجنون ليلى – المية تروي العطشان – مشغول بغيري – حكيم عيون – حنانك بي ياربي – انسى الدنيا –قصيدة الخطايا – قلبي بيقولي كلام)، كما غنى عبد الوهاب للملك فاروق و أيضا بعض الأناشيد الدينية بصوته.
وكان آخر أغانيه هي (من غير ليه).
ومن الجدير بالذكر أنه كان يؤمن بفكرة أنه “لا إبداع بغير صحة في الجسم تساعده على تحمل عبء هذا الابداع وتساعد العقل على أن يعمل بصورة سليمة”.
ولقد كان عبد الوهاب فناناً مطلعاً على ثقافات العالم الموسيقية بماضيها وحاضرها، وكان سابقاً لعصره بأفكاره الموسيقية التي ظل يطرحها حتى آخر اعماله.
تزوج الفنان محمد عبد الوهاب من السيدة نهلة القدسي وأنجب منها أربع بنات وولدا.
ولحن لمعظم المطربين وبعض المطربين العرب أكثر من (700) لحن، كما لحن لأم كلثوم والذي وصف لقاءه بها بلقاء السحاب في أ غنية (انت عمري)، و (على باب مصر وانت الحب وامل حياتي).
وكذلك لحن (لعبد الحليم وكارم محمود ونجاة وفايزة احمد) وغيرهم من المطربين.
حصل عبد الوهاب على جوائز وشهادات تقدير وكرمه الملك فاروق والرئيس عبد الناصر والرئيس السادات الذي منحه الدكتوراة الفخرية، ومنحه رتبة لواء حينما قاد النشيد الوطني المصري الذي تم تغييره في عهد الرئيس السادات بعد اتفاقية السلام مع إسرائيل من نشيد والله زمان يا سلاحي من ألحان كمال الطويل وكلمات صلاح جاهين ، إلى نشيد بلادي بلادي من ألحان سيد درويش وقام الأستاذ عبد الوهاب بقيادة الفرقة الموسيقية العسكرية التي عزفت وسجلت النشيد الوطني المصري ، وكرمه أيضاً الرئيس مبارك، و كُرم من خارج مصر فكرمه الرئيس بورقيبة و الملك حسين و الملك الحسن الثاني و الملك فيصل كما حصل على دكتوراة فخرية من احدى جامعات أمريكا.
ومن أهم التطورات التي أضافها محمد عبد الوهاب (كما يذكر د.نبيل شورى في كتابه قراءات في الموسيقى العربية)
1-لمسة غير شرقية في الغناء العربي منذ تلحينه لقصيدة (يا جارتي الوادي) زادت الأغنية المصرة قوة في التعبير.
2-كسر الشكل التقليدي لتلحين القصيدة مثل (الجندول)(الكرنك)(كيلوبترا) فلحن أ<زاء كبيرة من القصيدة على شكل مسترسل وتمرد على الشكل الايقاعي المستمر لها كما تخير من ابياتها ماهو مناسب لتأدية الليالي والمواويل المحددة.
3-تمرد على الأداء التقليدي للغناء فتخلص من الزركشة المبالغة فيها وأوقف ذلك على أداء القافلة المصرية التي هي ضرورة للغناء العربي.
4-قدم الأغنية القصيرة في السينما (انسى الدنيا) (بلاش تبوسني) ديالوج (حكيم عيوني) (يا دي النعيم) مع الايقاعات الراقصة.
5-قدم الأغنية الحديثة القابلة للمعالجة الهرمونية والتي عزفها الأوركسترا بشكل غربي (أنا والعذاب وهواك) (عاشق الروح)
6- إضافة الكور للغناء (القمح الليلة)
7- القصيدة التعبيرية (لا تكذبي) وفيها يلقي الكلام بهدف التعبير عن معانيه أولا ثم تأتي جماليات الغناء في الدور الثاني.
8- إضافة المقدمات الموسيقية الطويلة منذ تلحينه لأم كلثوم (إنت عمري)
9- طور التخت من أربعة عازفين الى أوركسترا.
10- اهتم بمظهر العازف في شكله وسلوكه.
11- ارتقى بمستوى الكلمات من خلال تعامله مع شعراء عظام أمثال احمد شوقي واحمد رامي
وعلي محمود وطه حسين وحسين السيد وغيرهم من كبار الشعراء.
12- تعامل مع الأغنية من حيث معانيها مستعرضا المشاعر والأحاسيس الإنسانية ككل والمفهوم
والإحساس الذي تعبر عنه بالإضافة للتطريب.
وهكذا فقد مثل الأستاذ الفنان محمد عبد الوهاب بألحانه وغناءه عصراً مزدهراً في الموسيقى العربية واستحق لقب (موسيقار الأجيال) فقد أطل بموسيقاه وفنه وعاصر حوالي ثلاثة أجيال واستوعب الموسيقى ممن سبقوه وحفظ وغنى ولحن كل ألوان الغناء ودرس العلوم الموسيقية الأوروبية (الهارموني و الكونتر بونت) علي يد أساتذة مصريين، هذا بجانب حفظه وترتيله للقرآن الكريم و دراسة الأدب و الشعر على يد الرواد في هذا الفن من مصر.
ويذكر أن عبد الوهاب استخدم الآلات الموسيقية الغربية في العديد من أعماله:
1-استخدم الة الجيتار الكلاسيكي في اغنية (انس الدنيا وريح بالك) من فيلم (رصاصة في القلب)
2-الجيتار الكهربائي لأول مرة في أغنية أم كلثوم (انت عمري)
3-المندولين في لحن (عاشق الروح) من فيلم (غزل بنات)
4-البيانو في قصيدة (الحب والجمال) من فيلم (يوم سعيد)
5-الأوبو في أوبريت (مجنون ليلى) من فيلم (يوم سعيد)
6-الأوكورديون في منولوج (مريت على بيت الحبيب) عام 1930
7-استخدامه لغالبية آلات النفخ النحاسية بأنواعها المختلفة في الكثير من الأناشيد الوطنية (الوطن الأكبر –الجيل الصاعد-الجهاد-صوت الجماهير-أصبح عندي الآن بندقية-حرية أراضينا)
كما ألف العديد من المقطوعات الموسيقية الآلية (موسيقى بدون غناء) ومن أهمها :
موسيقى حياتي – لغة الجيتار سنة 1935 – المعـــادي سنة 1946 م – زينــه سنة 1956- خطــوة حبـيــبي سنة 1953 – أنا وحبيـبي سنة 1951 – أيــــام ولـيـالي سنه 1955- حبيــــبي الأســــمر سنة 1957 – عش البـلبـل سنة 1959 – موسيقى أنشودة الفن الأربعينات – الحـنــــه سنة 1959م.
توفي الأستاذ الفنان محمد عبد الوهاب عام 1992م عن عمر يناهز 90 عام.
وارجوا وان تستمعوا وتتمتعوا بموسيقى وصوت موسيقار الأجيال.








