فنون الأداء المرتبطة بالإيقاع من الخليج إلى المحيط
3- الإيقاع في الخليج العربي
مقال بقلم د. عبد الكريم وزيزة

16-9-2018
· أولاً: الإيقاع في الخليج العربي
إن ارتباط سكان دول الخليج العربي بالبيئة المحيطة بهم سواء كانت البيئة البحرية أو البيئة الصحراوية البدوية ، مُنصَبُ على اهتمامهم بكل ما يتعلق بتلك البيئة وما يرتبط بها من حرف ومهن وصناعات مختلفة مثل صيد اللؤلؤ والأسماك وبناء السفن ، وهذا ما فرضه عليهم موقع الخليج الجغرافي حيث اشتغل العديد من أبناء الخليج قديماً في المهن المرتبطة بالبحر ، وهو ما ساعد في ترابط أبناء الخليج بعضهم ببعض علاوة على وحدة الدين واللغة فارتباطهم بالبحر والبادية كان له أثره الواضح في نوعية الفنون التي ارتبطت بتلك البيئة ومن بينها فنون الغناء والموسيقى وهو ما أثر واثرى موسيقاهم وإيقاعاتهم وجعل بها من الثراء ما يميزها عن باقي الإيقاعات في العالم العربي . وتذكر بعض الدراسات أن امتداد العلاقات التجارية لتشمل البصرة على رأس الخليج ومنها إلى الهند ومنطقة جنوب شرق آسيا، وشرق أفريقيا وإيران، حيث أن التجارة مع هذه المناطق كادت تكون جزءاً أساسياً من دخل أبناء الخليج، فضلاً على أن التجارة مع تلك البلدان جلب إلى منطقة الخليج كثيراً من العادات والقيم والفنون التي سرعان ما امتصها مجتمع الخليج وتأثر
بها لتصبح جزءاً من المحصلة الثقافية الخليجية. كما يرى الباحث أنه كان لطبيعة الحياة الصحراوية والبدوية في بلدان الخليج العربي المختلفة أثر في إيجاد طبيعة مميزة للفنون الخليجية ومنها أغاني البادية، فكما أثر وجود البحر والبحارة والصناعات التي تقوم عليه وأوجدت أغاني البحر. أوجد جو وطبيعة البادية والصحراء أغاني البادية وفنونها المميزة في بلاد الخليج كالحداء والهجيني وهي ألوان مختلفة من الغناء البدوي تتناسب مع طبيعة الصحراء وغالباً ما تكون مرتجلة وهي ألحان تتناغم مع سير الإبل وإيقاع خطواتها.
وسأعرض لأنواع الغناء عند البدو بالتفصيل في المبحث التالي، كذلك فقد جاءت أغاني البحر بأنغامها المليئة بالحنين إلى الأرض والتطلع إلى المجهول وكذلك إيقاعاتها الصاخبة المتكررة والمتدفقة، أصدق مرآه لحياة شعب الخليج، تعكس آمالهم وتدفعهم للجرأة والمخاطرة وتحمل مشاق العمل.
وقد واكبت حياة شعب الخليج (فيما قبل النفط) فنون كثيرة ترتبط بحياة البحر، وما تحتاجه الحياة من أنواع العمل، سواء كان ذلك في صناعة السفن، أو في العمل على السفينة في أثناء رحلات الغوص لجلب اللؤلؤ أو التجارة. ([1])
ثانيا ً: بعض أنواع الغناء عند البدو وارتباطها بالإيقاع
1- الهُجَيْني
الهُجَيْني نوع من الغناء الحر من ناحية الوزن ويمكن تأديته بدون مصاحبة أي آلة على صوت إيقاع مشي الإبل مثلاً، وهو لون من ألوان الغناء الشعبي القديم الذي كان يردده المسافرون وهم على ظهور إبلهم وهجنهم يقطعون فيافي الصحراء ومسافاتها البعيدة في قوافل مختلفة، منها ما كثر عددها ومنها ما هو دون ذلك. وكان في غناء الهجيني ما يخفف وحشة الطريق وعناء السفر، ويحث الإبل على السير السريع فتمد أعناقها وتتبعها قوائمها الأمامية ثم تردفها بقوائمها الخلفية فتمشي وكأنها تعلو وتهبط، وكأن المغني يحس بهذا الارتفاع والهبوط فينطلق صوته ليتناغم مع سير الإبل وهي تتهادى في رمال الصحراء، فيعلو صوته تارة وينخفض تارة أخرى مع إيقاع أخفاف الإبل ووقع خطواتها. ([2])

وللهجيني شهرة في منطقتي الشمال والوسط في المملكة العربية السعودية تختلف فيه القوالب الموسيقية من منطقة لأخرى، حيث تتدخل لهجة الشاعر إلى حد كبير في صياغة الألحان والتي يرتجلها الشاعر الشعبي بما يتفق مع التراكيب اللفظية لقصائده الحرة، وقد
جاء اسم الهجيني من الهجين، وجمعه هجن: وهو الجمل الرشيق السريع المشي الذي يعد من أجل السفر وقطع المسافات البعيدة. ومن لفظة الهجيني اشتقوا فعلاً فقالوا: هوجن، يهوجن هوجنة، أي تغني بهذا النوع من الغناء.
وقد يشترك في غناء الهجيني شخصان أو أكثر، يرد الواحد منهم على الآخر بأبيات توحي له أبياتاً مشابهة أو ذات صلة فيطرب لها الراكب المسافر وينسى هموم السفر ووحشة الطريق.
ويُذكر أن هذا الفن ” وُجد الهجيني ليُغنى بهدف الترويح عن النفس، وإطلاق أجنحة الروح في فضاءات رحبة، نديّة، تغسلها من كدرة الحياة وهمومها، وتنقيها من شوائبها، فتسمو بها إلى برهة الطرب المتألقة.”([3])
وهذه بعض أبيات من شعر الهجيني:
| بأسمع نغيط القطا يا عيال | ثنتين ســـــــــوَّن هجينيه | |
| يــــــــــا بنت لا توردي سيَّال | لا عاد ما أنتِ حويطية | |
| *** | ||
| يــــــــــــا طير أنا بسألك بالله | بالصوت ما شفت لي نورة | |
| يـــــــــا عينها عـــــــين الغزيل | اللي عن الوكر مقصـــــورة | |
| *** | ||
| يـــــــــــــــــــا ونتي ونـــــــــــة الجالي | واللي جلى من بني عمه | |
| العام مثل اليوم كنت أنا غالي | واليــــــــــــوم أنا ماني بيمه | |
| *** | ||
| يـــــــــا بنت يا زينة المنطوق | يا شمعة البيت والعيلة | |
| القرن الأشقر حرير السوق | والخـــــد يضوي قناديله | |
2- المويلي: هو تصغير للموال بلهجة أهل البادية، وذلك أن هذا اللحن اشبه ما يكون بالموال حيث تمد فيه النغمة بشكل كبير تجعلها قريبة من مخرج صوت الموال وإن كان من حيث التركيب أقرب ما يكون إلى الهجيني ولكنه أقصر منه نغمة وأسرع إيقاعاً، وهو من اللحان الأصلية التي يعتبرها البدو أصل الغناء عندهم، والتي تتركز في الهجيني والمويلي والرِّزعة والبَدع، أما الأنواع الأخرى من الغناء فهي أقل شهرة من هذه الأنواع
(1) محمود مفلح البكر (د.ت): ” فن الهُجَيْني في الغناء البدوي” دراسة ونصوص، وزارة الثقافة، الهئية العامة السورية للكتاب،سوريا
المذكورة وأقل انتشاراً بين الأوساط الشعبية. وأغراض غناء المويلي تشابه أغراض الهجيني وكأنهما شقيقان جاءا من حنجرة واحدة، فنرى ذكر السفر والإبل والحنين والغزل وما شابه، وهو بذلك لا يقتصر على المناسبات الخاصة كما هو الحال مع البَدْع أو الرِّزْعة.[4]
وهذا نموذج من غناء المويلي:
| بير زمزم عليه | حارس ما ينام | |
| والركايب عليه | مثل رَفّ الحَمام | |
| *** | ||
| رُدِّي عـَـلَيّ يا يَمَّــة | وأنا عليكي بنادي | |
| وأنا في بلاد الغَربة | وأنتِ في حَيّ بلادي | |
وأرى أن فنون البادية الغنائية تختلف أيضاً تبعاً لاختلاف البيئة الجغرافية والمناخية فبينما ينتشر فن الحداء في بلاد الخليج العربي (المشرقية) نجد فن مثل البَدع والدحية ينتشر في الناحية الأخرى بداية من بلاد الشام وفلسطين مروراً بشمال سيناء وشمال أفريقيا ابتداءً من غــــــــــرب مصـــــــــــــر (مطروح وسيوة) إلى بلاد المغرب العربي.
1- البَدْع والدّحية:
البدع هو نوع من الشعر الارتجالي المبني على الجمل القصيرة والسجع ، والذي يلقي ويغني في سامر الأعراس ، حيث تقام الحفلات ويتحاور فيه عدد من الشعراء المبدعين في ارتجال البدع أو هذا النوع من الشعر، وإذا ما بنا بأحدهم لسنه بكلمة لا تروق للبداع الآخر فحينها يبدأ التراشق بالكلام، وقد يصل الحال إلى إقذاع القول أو ربما على المشاجرة، ولكن ذلك ليس في كل الحالات، فسرعان ما يتصالح البدّاعون وتعود المياه إلى مجاريها ويظل البدع ذلك اللون الشعري الخاص المتميز الذي نسمعه في الأعراس ، ويظل سمه مقترناً بهذه المناسبات في الذاكرة الشعبية مهما قست الظروف وتغيرت الأحوال[2].
2-الدّحية:
فن بدوي ينتشر في فلسطين وشمال سيناء وغرب مصر ( مطروح وسيوه ) وفيه تتوافد النساء بعد الغروب على بيت المفرح ، ويتبعهن الأطفال، وترتفع الزغاريد بعد الانتهاء من تناول العشاء ، فيصطف الأطفال يصفقون، فترقص امامهم الفتيات الصغيرات، ثم يتقاطر الرجال من كل صوب، وينتحي الأطفال جانباً، ويصفق الرجال وهم يشكلون هلالاً مقابل

النساء الجالسات ، على مقربة من بيت المفرح، ويردد المصفقون لفظة ( دحي يو) ترديداً مستمراً مع التصفيق الحار، ويهزون أجسامهم ورؤوسهم بانتظام، ويتحركون على الأمام وإلى الخلف بخطى متناسقة وهم يرتدون لباسهم التقليدي، فتنبري لهم امرأة ترتدي ثوباً طويلاً اسود بلامس ذيله الأرض ومقنعة بعباءة سوداء لا يظهر منها سوى عينها، وبيدها سيف أو عصا، ترقص أمامهم على إيقاع التصفيق وضرب الأرض بالأرجل والأصوات المنبعثة المرافقة للتصفيق، فتارة يخر اللاعبون ارضاً ، وتارة يقفزون إلى أعلى مع إطلاق صرخات حماسية، والراقصة تحاكي حركاتهم، وتلعب وهي حذرة ، تهوي بالسيف على من يحاول أن يمسها.
كما يطلق البدو عليها عدة أسماء منها: (الدحّة، السهجة، السحجة، السامر)، ويرددون لفظة ” دحي يوي ” وهم يصفقون.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
المراجع:
(1) منيجة عباس1989م: “الإيقاعات في أغاني البحر الكويتية “، رسالة ماجستير غير منشورة، المعهد العالي للموسيقى العربية، أكاديمية الفنون، القاهرة ص 21
(2) صالح زيادنة 2011م: ” الغناء والموسيقى عند البدو” الطبعة الأولى – مطبعة الرابطة، الخليل، فلسطين، ص 13
