علي الحجار والأغنية الصعيدية

علي الحجار والأغنية الصعيدية 

بقلم / د. عبد الكريم وزيزة 

19-10-2016 

عبد الكريم نصر عبد الكريم وزيزة

لم يتوقف الإبداع الغنائي لعلي الحجار عند غناء لون واحد من ألوان الغناء العربي والمصري، فقد غنى كل الألوان تقريباً، من الأغنية العاطفية إلى الأغنية الوطنية إلى أغنية الأطفال مروراً بأغاني المسلسلات الدرامية، والأغاني المسرحية والأوبريت ، وأغاني الاحتفالات الوطنية القومية الكبرى ، والأغنية الدينية ، وترتبط كل تلك الألوان الغنائية بتركيب لحني وقوالب موسيقية معينة ، يقوم بإبداعها الملحنون الذين تعاونوا معه ، والذين يقع على عاتقهم مسئولية تقديم الجملة الموسيقية اللحنية الطربية التي تعبر عن معاني الكلمات بدقة وتستطيع توصيل مفهوم الكلمة بالإيقاع والنغم لتبقى ، والمناسبة لصوته بجمالياته الكثيرة والبديعة وبطبقة صوته الممتدة من أعمق درجة صوتية في الطبقة الغليظة إلى أحد درجة صوتية في طبقته الصوتية التي تتعدى (ديوانين ونصف تقريباً في لغة الموسيقى العربية، أو (أوكتافين ونصف)،  في لغة الموسيقى الغربية ، و(الأوكتاف ) هو الدرجات الصوتية السبع المكونة للسلم الموسيقي (دو ري مي فا صول لا سي ) مضافاً إليها الدرجة الثامنة دو1 التي تكون هي بداية الدرجة الأولى في بداية (الأوكتاف الثاني) وتكون بداية لتكرار نفس الدرجات الصوتية السابقة ( أي الأوكتاف ) في طبقة صوتية أعلى ، وهكذا . وهو ما يعني ببساطة أنه يمتلك غناء أكبر قدر من الدرجات الصوتية عبر المقامات الموسيقية المختلفة بصوته الرخيم الرجولي الجميل في كل طبقاته الغليظة الحادة.  

95-5-copy4

وتتعدد القوالب الغنائية في الموسيقى العربية، ومن كلمة القالب يمكننا أن نعرف ما تعنيه الكلمة، فهي تعني وضع الجمل الموسيقية اللحنية في قالب محدد، يحدد ملامح وصفات وصيغة (الأغنية)، فليس كل ما نسمعه في الموسيقى العربية يندرج تحت كلمة الأغنية، بل هناك قوالب غنائية موسيقية عربية من الناحية العلمية، ومن بين تلك القوالب أذكر القوالب الغنائية التالية: 

 (المونولوجالديالوج – الطقطوقة – الدور الموشح – القصيدة – الموال) 

لقد غنى المطرب الفنان علي الحجار في كل تلك القوالب الغنائية العربية، ولا أريد أن أدخل بالقارئ في تفاصيل وشرح تلك القوالب، ولكن يكفي الإشارة إلى أنه لا يمكن أن يكون المطرب مطرباً عربياً أصيلاً وفناناً كبيراً إلا بعد أن يتغنى بكل تلك القوالب الغنائية ويبدع فيها إبداعاً يستطيع معه أن يستمتع المستمع له بصوته وأن يجد فيما يشدوا به ما يطربه. 

والأغنية الصعيدية في الدراما المصرية كان لها حظ كبير فيما تغنى به المطرب علي الحجار، الذي استطاع أن يصل بها عبر تعاونه مع مبدعي تأليف الكلمات والألحان والتوزيع الموسيقي، إلى ذروة عالية من الإبداع، جعلت تلك الأغاني المعبرة عن الدراما والتي تكون غالباً في بداية المسلسل، وداخل المسلسل لتعبر عن مواقف درامية محددة، وفي نهاية المسلسل، جعلتها تستقر في وجدان الكثير من متابعي المسلسلات ومن محبي طرب وصوت المطرب علي الحجار. 

فمن منا لا يتذكر على سبيل المثال لا الحصر المقدمة الموسيقية لمسلسل (وجع البعاد) 

%d9%85%d8%ad%d9%85%d9%88%d8%af-%d8%b7%d9%84%d8%b9%d8%aa
الملحن محمود طلعت

 كلمات: الشاعر الكبير الفنان / سيد حجاب وألحان / محمود طلعت ، والتي استطاع فيها الملحن أن يبرز أهم النقاط الصوتية المضيئة في صوت المطرب علي الحجار من خلال استخدامه لجملة لحنية غاية في الرقة والعذوبة ، عبرت بكل دقة وحرفية عن معاني الكلمات ، التي تقول ( ولا هد جلبي العليل غيرك يا وجع البعاد ) تبدأ هذه الجملة بصوت المجموعة غنائياً ، فيرد بصوته الرخيم في الطبقة الغليظة الجميلة ( ولا شاله م الأرض شيل غير فرحته بحلم عاد آه يا وجع البعاد ) ، لا تملك وانت تسمع دخول صوت علي الحجار في تلك اللحظة بتلك الكيفية إلا أن تمسك بتلابيب قلبك وأنفاسك ، الوجع ستشعر به في صوته ، في الجملة الموسيقية ، في كل حرف ، وفي كل نغمة ، وفي كل دقة من دقات الدفوف المصاحبة للحن. 

_49668_ss4
الشاعر الكبير سيد حجاب

 وأستطاع أن ينتقل بنا بسهولة ويسر بين الدرجات الصوتية من أغلظ النغمات إلى أوسطها إلى أحدها بسهولة ويسر فلا تشعر بتلك الانتقالات لأنها جاءت متسلسلة وسهلة وبسيطة، مع جمل موسيقية تمهد لغناء المطرب، أصف إلى ذلك صوت علي الحجار المعبر باللهجة الصعيدية، وإحساسه المرهف الذي يجعل (قلبك يوجعك) فعلاً، تعبيراً عن معنى المسلسل واسمه (وجع البعاد). 

لقد أبدع علي الحجار في غناء الموال في العديد من المسلسلات الدرامية، فعلى سبيل المثال لا الحصر في مسلسل (الأيام ) رائعة عميد الأدب العربي د. طه حسين رحمه الله، وكلمات الشاعر الكبير /سيد حجاب وألحان المبدع العظيم الموسيقار/عمار الشريعي رحمه الله، أبدع علي الحجار في غناء عدة مواويل باللهجة الصعيدية في ذلك المسلسل، وأبدع فيها الموسيقار عمار الشريعي بأن قسم المواويل لعدة مجموعات، كل مجموعة لها لحن محدد، وكلمات مختلفة، ومثالاً على ذلك موال تقول كلماته: 

1411806583-955912-inarticlelarge
الموسيقار الكبير عمار الشريعي رحمه الله

(من كل ناحية طواني الهم وكواني والآهة في الجلب نار والحزن خواني أنا بسألك يا إله الأرض والسموات يا للي بتحيي نبات الأرض بعد موات تحيي رجايا أنا اللي ما حد ساواني). 

وعلى نفس اللحن غنى موال بكلمات أخرى تقول: 

(صبرتهم عل البين وأنا مين يصبرني يا رب صبرني على فرجة أحباب -راحم ما جاني خبر عنهم يخبرني مجروح ومكسور أنا يا مين يجبرني يا رب جدرني أصبر على ما بي). 

وعلى نفس اللحن غنى موال آخر تقول كلماته: 

(ليه يا زمان الأسى-زَوَدت لي جُروحي يا بُومة الشوم فوج سطوحي فارجي وروحي ليه كل ما جي أجرب ألتئيني بعيد والدمعة في الحلج وانا عمّال أجول وأعيد أنا ببكي ع الدنيا ولا ببكي على روحي).  

واللهجة الصعيدية تعطينا نحن المصريون الإحساس بالانتماء للأرض، وللوطن، وتشعرك بأهمية كل شبر من أرض الوطن، بشمسه وقمره ، وبنيله وبحره، بنهاره وليله ، في مسلسل ( الليل وآخره) كان لمثلث الإبداع الدائم والمتجدد الموسيقار ياسر عبد الرحمن والشاعر الكبير سيد حجاب والمطرب الفنان علي الحجار كان لهم تأثيراً بالغاً في تأكيد مفهوم الإيقاع الصعيدي المصري الأصيل واستخدام الآلات الموسيقية الشعبية الصعيدية الآلة الوترية( الربابة) وآلة النفخ ( المزمار البلدي) ضمن تأليف موسيقي أوركسترالي رائع وبديع ، لا يهمل أهمية الجملة الموسيقية المصرية الأصيلة وتأصيلها ، والتأكيد عليها من خلال استخدام تلك الآلات ، والجملة الموسيقية الإبداعية السلسة التي تعبر عن معاني الكلمات .

maxr326548esdefault

فاستخدم الموسيقار ياسر عبد الرحمن (الربابة والمزمار البلدي وآلات الطبل البلدي) ضمن صياغة أوركسترالية عربية شديدة الدقة والفخامة ، لا تخلو من جمال موسيقي رائع ، ومن لمسات استخدام آلات النفخ النحاسية ( الغربية) ضمن الصياغة العربية للموسيقى في مقام ( البياتي) ، واستخدام الآلات الوترية الأوركسترالية جنباً إلى جنب مع آلة الكولة ، هو أسلوب بديع ويؤصل للموسيقى المصرية الحديثة. (راجع مقال سابق لي بعنوان ” الثلاثة الكبار في الموسيقى المصرية الحديثة”). 

 وفي مسلسل ( ذئاب الجبل) من كلمات المبدع الراحل العظيم / عبد الرحمن الأبنودي  ( جالوا علينا ديابة واحنا يا ناس غلابة يا مغنواتي غني حكايتنا ع الربابة ) ، وألحان د. جمال سلامة أبدع المطرب الفنان علي الحجار بلون آخر من ألوان الأغنية الصعيدية نسمع فيه أيضاً صوت ( الربابة والمزمار والعود والناي والكمان والطبل الصعيدي ) وهي الآلات التي تنتشر مع منشدي المدائح النبوية الشريفة والمنتشرة في صعيد مصر بشكل كبير ولها تقدير كبير عند أبناء صعيد مصر بصفة خاصة . 

50213
الشاعر الكبير عبد الرحمن الأبنودي (رحمه الله)

  وتتسيد الجملة الموسيقية السهلة للملحن العبقري د. جمال سلامة (ملك التلحين السهل الممتنع) فالجمل الموسيقية التي أبدعها تبدوا لمن يستمع إليها وكأنها سهلة، ولكن عندما تتعرض لدراستها جيداً تعرف مدى الصعوبة التي بداخلها، وتقدر مدى عبقرية جمال سلامة. 

_315x420_73a0946d7abde77ea699c29c44857a37a55a3262cb81fd7e1910fc049d9cd9ce
الموسيقار د.جمال سلامة

وغنى علي الحجار مقدمة ونهاية مسلسل ( حدائق الشيطان ) كذلك باللهجة الصعيدية وبموسيقى ولحن آخر للمبدع الموسيقار عمار الشريعي (رحمه الله) ومن كلمات الشاعر الكبير سيد حجاب، استخدم عمار الشريعي هنا أيضاً الربابة وأعطى لها رنين صوتي مميز فتشعر وكأنك تسمع أكثر من آلة (ربابة)  في نفس الوقت، بالإضافة للجُمل الموسيقية والتوزيع الموسيقي البديع والإبداع اللانهائي والموهبة الطاغية للموسيقار عمار الشريعي في الانتقالات المقامية السلسة، والإضاءة الموسيقية على الطبقة الحادة في صوت المطرب الفنان علي الحجار. 

وغنى الفنان المبدع علي الحجار باللهجة الصعيدية مقدمة ونهاية المسلسل الدرامي (الرحايا) من كلمات المبدع الراحل العظيم / عبد الرحمن الأبنودي والتي تبدأ بـ (جلبي على ولدي انفطر وجلب ولدي علىّ حجر) 

البداية بمقدمة موسيقية استخدمت فيها الآلات الوترية والنحاسية في شكل يوحي الحوار بين الفصيلتين، ثم جملة متقاطعة تعبر عن الحداثة في الموضوع، ثم (العود والكولة والمزمار والترديد من الآلات الوترية، والتناوب في ذلك الترديد، الذي يوحي بالكثرة العددية للعنصر البشري، والكمية للأحداث التي ستتوالى في المسلسل، فالمقدمة الموسيقية تمهد أذن ووجدان المستمع لاستقبال أحداث المسلسل الدرامي، وكان عمار الشريعي رحمه الله أستاذاً كبيراً في إبداعه للمقدمات الموسيقية بصفة عامة، في كل أعماله بلا استثناء. 

ولم يكتفي هنا باستخدام الإيقاع الصعيدي المصري فقط بل استخدم عدة إيقاعات تدل على المعاصرة والحداثة والريف والمدينة، وكله يصب في خانة تهيئة المستمع وجدانياً ونفسياً لاستقبال أحداث المستمع، ويضاف إلى ذلك بالطبع الصوت الدافيء المعبر عن كل حرفة بحرفية وبدقة عالية صوت المطرب الفنان علي الحجار. 

وغنى مطربنا الفنان علي الحجار في مسلسل (شيخ العرب همام) من كلمات الشاعر / عبد الرحمن الأبنودي (واجف في وش الرياح ما وجفش تجديفك لا الروح تعبت ولا كلت مجاديفك). 

وأتوقف هنا عند الجملة الموسيقية اللحنية البديعة والفكرة الأصيلة للموسيقار عمار الشريعي ، الذي مهد لغناء المطرب علي الحجار بمقدمة موسيقية كالعادة تبدأ بجملة لحنية من الوتريات ، في تناغم وترديد وحوار بينها وبين الآلات الشعبية الصعيدية ( الربابة الكولة المزمار ) ، ثم تأخذ الآلات الشعبية الصعيدية زمام الجملة الموسيقية الصعيدية المصرية الأصيلة ، وتنتهي تلك الجملة بنفس الجملة التي سيستخدمها في ترديد الكورال لجملة ( ما وجفش تجديفك) بشكل يؤصل ويحدد شكل الأغنية الصعيدية المصرية “الحديثة” ، وفي الخلفية نلمح صوت الكورال الرجالي يقول ( آه) ممتدة على نغمتين وهو أسلوب يستخدم في تعدد التصويت البوليفوني في الموسيقى الغربية يسمى ( باص أوستيناتو) . 

وبعد الكوبليه الأول ترجع البداية مرة أخرى ولكن في هذه المرة علي الحجار هو من يردد جملة ( ما وجفش تجديفك) ، وهو تنوع في استخدام نفس الجملة الموسيقية مع تناوب بين صوت المطرب والكورال .( الكورال أو الكورس كلمة تعني مجموعة المغنين الذين يرددون خلف المطرب سواء كانوا رجالاً أو نساءً أو أطفالاً) . 

artworks-000062264010-u8y3oh-t300x300
الموسيقار الكبير عمر خيرت

 

وغنى مطربنا الكبير باللهجة الصعيدية من كلمات الشاعر الكبير/ سيد حجاب، وألحان الموسيقار الكبير / عمر خيرت في مسلسل ( غوايش) ، كلمات وموسيقى مصرية خالصة المعاني والأحاسيس ، استطاع الفنان عمر خيرت أن يمصر الموسيقى بأن يصبغ عليها من طابع الأرض المصرة أصالتها من خلال استخدامه للأوركسترا الغربي المطعم بالآت المستخدمة في الموسيقى العربية ( آلات التخت العربي ( الكمان – القانون – العود – الناي – الرق )  والآلات المصرية الشعبية ( الربابة – المزمار – الكولة )  ، في توافق وتناغم بديع يميز أسلوبه الذي لا تخطئه الأذن أبدأً ، فبمجرد سماعك لبداية أي موسيقى من مؤلفات العملاق المصري تستطيع ، بل ويستطيع الإنسان المصري البسيط الذي لم يدرس الموسيقى أن يميز موسيقاه بسهولة.

أبدع المطرب علي الحجار وتألق في غناء مقدمات المسلسلات الدرامية ومن بينها الدراما المصرية الصعيدية الأصيلة، وأبدع الشاعرين المبدعين (عبد الرحمن الأبنودي- سيد حجاب) في أشعارهم المعبرة عن الدراما الصعيدية المصرية.

كما أبدع كبار وعمالقة الموسيقيين المصريين الذين استطاعوا أن يمصروا الموسيقى ويجعلوا لها طابعاً مصرياً أصيلاً وصميماً وهم (عمار الشريعي – عمر خيرت – جمال سلامة – ياسر عبد الرحمن – محمود طلعت).

وتبقى أعمال أخرى قد أتناولها في مقالات أخرى إن شاء الله مثل (وادي الملوك).

تحية تقدير واحترام لمن أعلوا شأن الأغنية المصرية والموسيقى المصرية بكلماتهم وأشعارهم وموسيقاهم، تحية تقدير لمن أعطى من نبرات صوته أحاسيساً ومشاعراً دافئة وهادئة وهادفة المطرب الفنان علي الحجار.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top