سنة أولى كلية

سنة أولى كلية

بقلم/ د. عبد الكريم وزيزة

18/10/2016

عبد الكريم نصر عبد الكريم وزيزة

المكان: بورسعيد

الزمان: صيف 1984م

ظهرت نتيجة الثانوية العامة وكنت آمل أن أدخل كلية الطب وأن أتخصص في طب القلوب، ولكن مقدار مذاكرتي وجهدي الذي بذلته لم يؤهلني لأن أحصل على المجموع الكبير فحصلت على مجموع يؤهلني للالتحاق بكلية التربية قسم الكيمياء جامعة قناة السويس (بالإسماعيلية)، وذهبت فعلاً وقدمت أوراقي في الإسماعيلية.

متعني الله سبحانه وتعالى بموهبة غنائية وموسيقية اكتشفها ونماها في والدي أطال الله عمره وبارك في صحته، واصطحبني معه في كل معسكرات الطلائع والشباب على مستوى الجمهورية، كما مثلت طلائع مصر في معسكر الطلائع الدولي بالاتحاد السوفيتي (روسيا حالياً) صيف عام 1974م، وحصلت على المركز الأول هناك في الغناء الفردي، وغنيت وقتها عن بورسعيد وعن مصر وعن فلسطين وعن الزعيم عبد الناصر.

4739_93094275247_983193_n
أغنية ألف رحمة عليك مسرح بلدية الفيوم بعد وفاة الزعيم

 

عند رجوعي من الإسماعيلية بعد تقديم أوراقي في كلية التربية هناك ودفع المصاريف، ركبت القطار متجهاً إلى بورسعيد، واشتريت جريدة الأهرام، وعند مطالعتي للجريدة إذا بي أقرأ إعلاناً عن كلية التربية الموسيقية جامعة بالزمالك يمكن لطلاب الثانوية العامة ممن يجدون في أنفسهم إمكانية النجاح في اختبار القدرات الموسيقية أن يتقدموا لها، وأن الدراسة فيها لمدة خمسة سنوات دراسية، وليس أربعة سنوات (وما زالت)، وفي لمح البصر لمعت الفكرة في رأسي مع بداية تحرك عجلات القطار من الإسماعيلية إلى بورسعيد.

430621_10150582851070248_37086172_n
1972 م عبد الكريم وزيزة يعزف على الإكسليفون  جبل الزينة – الفيوم

 

عندما وصلت إلى بورسعيد كنت قد قررت أن ألتحق بكلية التربية الموسيقية جامعة حلوان ، وبالطبع قابلتني عدة صعوبات،  من بينها أن التنسيق رفض التحويل لي لأن مجموعي كان يعتبر مجموع كبير وقتها ، وكلية التربية الموسيقية في ذلك العام كانت تقبل الطلاب الحاصلون على مجموع يتعدى الخمسين في المائة قليلاً ، فرفض التنسيق طلبي لمجموعي الكبير ، وعندما ألححت في الطلب وأصررت عليه وقابلت مدير التنسيق بنفسه ، طلب مني أن أكتب تعهد على نفسي بأنني أريد أن ألتحق بكلية التربية الموسيقية بالرغم من أن التنسيق وزعني على كلية التربية جامعة قناة السويس .

وتأخر وصول أوراقي من جامعة قناة السويس إلى جامعة حلوان قرابة الثلاثة أشهر، ووكنت قد نجحت في اختبار القدرات الموسيقية التحرير والشفوي.

9314_original

 ولم تكن أبواب المدينة الجامعية المتاحة لي في ذلك الوقت تسمح لي بالإقامة سوى في المدينة الجامعية بامبابة وهي مباني تابعة للمحافظات، فظللت الثلاثة أشهر الأولى من الدراسة الجامعية في سنة أولى كلية أذهب يومياً لكليتي (كلية التربية الموسيقية بالزمالك) من دير الملاك بالقطار إلى الزمالك يومياً حيث كنت أسكن عند عمتي رحمها الله.

وتعلمت في تلك الفترة كيف أجري وراء الأتوبيس وأركبه وهو يمشي، كما تعلمت كيف أقفز منه أيضاً وهو يمشي، وتلك كانت مهارات هامة بالنسبة لشاب لم يعايش تلك المهارات في مدينة بورسعيد الهادئة الجميلة في ذلك الوقت. 

كنت استيقظ مبكراً مع آذان الفجر وأذهب وأصلي الفجر في المسجد القريب من بيت عمتي في دير الملاك بالقاهرة ثم أمشي حتى محطة القطار متجهاً إلى محطة رمسيس ومنها إلى الأتوبيس المتجه إلى طريق الزمالك فكنت أنزل عند مطلع كوبري 15 مايو من ناحية النيل في العجوزة وأمشي حتى الكلية.

وعندما فتحت المدينة الجامعية أبوابها انتقلت إلى هناك، وكنت قد انتظمت في الدراسة، وأذكر أني تأخرت في الثلاثة أشهر الأولى للدراسة، ولم أكن أعلم أن الدفعة قد قسمت مجموعات (Sections)، فكنت أذهب يومياً أجلس في حديقة الكلية متخيلاً أن أحداً ما سوف يأتي وينادي على اسمي، ويقول لي تعالى أنت في (Section) كذا. ولم يحدث هذا مطلقاً، إلى أن جاء يوم والتقيت بواحد من الزملاء وتجاذبنا أطراف الحديث فعلمت منه أن اسمي موجود في شكسن (ز)، فذهبت إلى الحجرة التي ينعقد بها (Section) (ز)، ومن تلك اللحظة التزمت بالحضور وكانت أولى المحاضرات هي محاضرة مادة تدريب السمع (عند المعيدة وقتها) الأستاذ الدكتور/ دليلة رفيق، التي علمتني كيف أحب الصولفيج ، وكان لها ـتأثير كبير علي في اختياري للتخصص في الدراسات العليا بعد ذلك ، فبفضلها وبفضل أستاذتي أستاذة الصولفيج وتدريب السمع لدفعتي أستاذتنا العظيمة الأستاذ الدكتور / سعاد علي حسنين رحمها الله وأدخلها فسيح جناته، وبفضل أستاذتنا الجليلة العالمة القديرة الأستاذ الدكتور أميمة أمين ، متعها الله بالصحة وشفاها وعافاها ،أحببت هذا التخصص بالرغم من أني كنت عازف كمان ، والتحقت قبل ظهور نتيجة البكالوريوس بأوركسترا القاهرة السيمفوني ، وقتها كان مسرح الجمهورية هو مقر الأوركسترا ، فلم تكن دار اوبرا القاهرة الحالية قد تم الانتهاء من بنائها بعد.

التزمت الحضور في كل  أوقات (Section) والمحاضرات وعملت لنفسي جدولاً بالتوقيت مثل جدول الحصص في المدرسة، من الساعة كذا إلى الساعة كذا الاستيقاظ والصلاة والذهاب للكلية، ( أيام كثيرة كنت أذهب من المدينة الجامعية بامبابة ( عبر محطتي المحكمة والكتكات )  صاعداً كوبري 15 مايو من ناحية الكتكات مروراً بشارع 26 يوليو ثم الانعطاف يساراً من أمام مسرح الزمالك لشارع شجرة الدر  ماشياً على قدمي ، وصولاً إلى باب الكلية يومياً الساعة السادسة صباحاً أكون جالساً على البيانو أذاكر حتى الساعة التاسعة صباحاً ، موعد أولى المحاضرات أو (Sections). وتكرر ذلك طوال سنوات الدراسة الخمس حتى حصولي على البكالوريوس بتقدير ممتاز مع مرتبة الشرف وترتيب الأول على دفعة 1989م.

58442_10151276939090248_236865584_n

كنت أنظم وقتي في الجدول الذي وضعته لنفسي محتوياً على مواعيد كل المحاضرات ومواعيد حصص الآلة حيث كانت آلتي (الكمان)، وكان أستاذي الأستاذ الدكتور خيري الملط متعه الله بكامل وموفور الصحة والسعادة، ومواعيد حصص البيانو وكانت أستاذتي من إعدادي كلية حتى السنة الثانية الأستاذة الدكتورة بثينة أبو عوف رحمها الله وأدخلها فسيح جناته ثم في السنة الثالثة والبكالوريوس حتى الدراسات العليا كان أستاذي للبيانو الأستاذ العظيم الدكتور / على إبراهيم رحمه الله وأدخله فسيح جناته.

وكانت أستاذتي في الارتجال في البكالوريوس الأستاذة العظمية القديرة التربوية الأستاذة الدكتورة أميمة أمين نسأل الله لحضرتها الشفاء العاجل والصحة والسعادة.

درس لي كل أساتذة الكلية الكبار القيمة والقامة ، والقائمة كبيرة جداً بقاماتهم العالية وعلمهم الغزير الأستاذة الدكتورة / عواطف عبد الكريم وأ.د/سهير شرقاوي وأ.د/سهير عبد العظيم ، أ.د/عفت عياد ، أ.د / محمد إبراهيم ، أ.د / رؤوف أبو بكر ، أ.د/ أحمد مصطفى رحمه الله ، أ.د / حسن محمود رحمه الله ، أ.د/ حسين دغيدي متعه الله بالصحة والسعادة ، أ.د/ محمد فايد ، أ.د/ عيسوي ، أ.د/ أحمد أنور ، أ.د/ زينب عبد الباسط ، أ.د/ فاطمة الجرشة ، أ.د/ سعاد عبد العزيز ، أ.د/ نبيل شورى ، أ.د/ عاطف عبد الحميد ، أ.د / عفت ، أ.د/ محمد مرسي ، أ.د/ سمير رشاد ، أ.د/ رضا رجب ، أ.د/ محمد عبد العزيز.

كنت أذهب لصلاة الجمعة في الأزهر الشريف، وبعد الصلاة أذهب لمسجد الإمام الحسين رضي الله عنه، وأحضر معي كراسة الموسيقى والقلم الرصاص وأجلس استمع وأدون الأناشيد والابتهالات الدينية للطرق الصوفية المختلفة في مسجد الحسين من بعد صلاة الجمعة وحتى صلاة العصر، وأذهب يوم السبت وأعرض ما كتبته من موسيقى لتلك الأناشيد الصوفية الدينية على أستاذتي العظيمة أ.د/ سعاد حسنين ألف رحمة ونور عليها وعلى كل من علمني حرفاً.

كنت أذهب للسنيما كل فيلم جديد ينزل (كانت الأفلام الجديدة تنزل في سنيمات وسط البلد يوم الإثنين من كل أسبوع) وكان لي رفقة جميلة من أصدقائي ومن زملائي في الكلية وفي المدينة الجامعية.

14264974_10153737690455248_445460862317096702_n

عموماً ما أريد أن أقوله لأبنائي في سنة أولى كلية:

·        لا تضيعوا أوقاتكم فيما لا يفيد، اذهب إلى كليتك كل يوم وأنت مصمم على أن تتعلم وتعرف شيئاً جديداً من العلم والثقافة والفن والأدب.

·        تحلوا أبنائي بالروح الرياضية في كل تعاملاتكم وكونوا أصحاء نفسياً وبدنياً، مارسوا الرياضة والعبوا اللعبة الرياضية التي تحبونها يومين أو ثلاثة في الأسبوع.

·        احترموا معلميكم وأساتذتكم وقدروهم أكبر تقدير فغداً ستعرفون قيمتهم عندما تكبرون وعندما تلتقون وتدركون أهمية أن يكون لك معلماً أو أستاذاً جيداً يحب عمله ويتفانى فيه ويخاف على مصلحتك.

·        كان بعض أساتذتي يعنفونني أحياناً عندما يروا مني تقصيراً في المذاكرة أو إهمالاً في الدروس وعدم الحضور بأي حجج، فما كان منهم إلا أن يعنفونني بأسلوب تربوي غاية في الرقة والجمال يجعلك تخجل من نفسك دون أن يجرحك، فهل يمكنك بعد أن متعك الله بكوكبة مضيئة من علماء في تخصصاتهم يريدون لك الخير، وينفعوك بعلمهم، هل يمكنك أن تنساهم؟، لا والله ما نسيتهم يوماً واحداً من 1984م وحتى2016 م.

·        اصنعوا لأنفسكم جدولاً محدداً بالوقت يومياً يحتوي كل لحظة في يومك من استيقاظك حتى نومك، وحاول أن تستمر عليه يوماً ثم يومين، وأسبوعهاً وأسبوعين، وشهراً، وستجد نفسك بعد ذلك لا تستطيع أن تتخلف عن موعد من مواعيدك اليومية التي حددتها لنفسك وستكون مثالاً يحتذى به في الانضباط واحترام المواعيد والوقت، وعدل مواعيدك وضع فيه أوقات لعبك وأكلك وشرابك وفسحك ورحلاتك، ضع فيه ما تشاء، بشرط أن تلتزم به وفي المقام الأول (لا تضيع أي محاضرة أو أي حصة عزف).

·        ضع في الجدول وحدد أوقات التدريب اليومي على البيانو وآلتك وحاول أن تجعلها أوقاتاً ثابتة يومياً.

·        اشتركوا في أنشطة الجامعة والاحتفالات والمعسكرات والسفر للرحلات، فأنتم تعيشون أهم وأحلى لحظات حياتكم، استثمروها في المفيد والنافع الذي يعود عليكم وعلى أسركم وعائلاتكم ووطنكم بكل الخير.

·        تسلحوا بالإيمان بالله عز وجل ولا تنسوا صلاتكم من (في المسجد وفي الكنيسة) وادعو الله أن يوفقكم وأن يسدد خطاكم وأن يمنحكم القوة والإصرار والعزيمة.

·        أيام المذاكرة والتعب وبذل الجهد في سنة أولى كلية ستجدها أمامك في مستقبلك الحافل بعد ذلك.

·        سنة أولى كلية هي أهم سنة دراسية في حياتك العلمية والعملية، فهي السنة التي تحدد مستقبلك العلمي والمهني، وهي السنة التي يمكنك لفت انتباه اساتذتك إليك بأن هذا الطالب ملتزم بالمذاكرة، نبيه ومبتكر ومبدع، ويريد أن يتعلم وأن يعرف، يقرأ ويسأل، يذكر ويسأل ليعرف، لا يضيع وقته أبداً.

·        سنة أولى كلية ستفرق معك كثيراً ان اهتممت بها وأعطيتها كل وقتك وكل اخلاصك وكل تفانيك في عمل ما عليك من واجبات.

·        سنة أولى كلية هي الدَّفعَة الأولى القوية التي تبدأ بها باقي سنين الكلية، فإن كنت فيها من أوائل الدفعة، ستعرف كيف تستمر من أوائل الدفعة طيلة سنوات حياتك، وستتعلم كيف تتغلب على الصعاب التي تقابلك، وستعرف طريق النجاح والتألق بعد ذلك بكل سهولة ويسر.

·        تَخيّروا أصدقائكم بكل عناية فائقة وبكل دقة بالغة، ولا تجعلوا أي شخص أو أي فكر يسيطر على تفكيركم وعلى وعيكم وعلى شخصيتكم، فكن شخصية مستقلة، كن حريص على نفسك، كن كما تحب أن تكون، فمن منّا لا يحب أن يكون أحسن شخص في الوجود (بالعلم والأخلاق الحميدة، والتمسك بالقيم والمبادئ الإنسانية الراقية).

أرجو ألا أكون قد أطلت عليكم وأتمنى لكم التوفيق والنجاح الباهر في كل سنوات الدراسة في الكلية وخاصة سنة أولى كلية.

وإلى لقاء آخر يجمعني بكم على الخير إن شاء الله. 

 

 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top