الفضائيات الموسيقية ….. ليست موسيقية!
بقلم: د. عبد الكريم وزيزة

فرحت كثيراً منذ عدة أعوام عندما بدأت الفضائيات العربية تغزو سماءنا محمولة عبر أقمارنا العربية، وفرحت أكثر عندما قالوا بأن هناك قنوات موسيقية ستبث برامجها عبر تلك الأقمار فتخيلت على الفور وتصورت أنني سأرى برامج موسيقية ذات حس ثقافي عالي تساعد في إزالة بعض من الأمية الموسيقية التي تنتشر في بعض الأوساط بمجتمعاتنا العربية بكل أسف.
تصورت برامج تتحدث عن تعليم قواعد التدوين الموسيقي وتبسيطها للناس ليتعرفوا على أصول تلك اللغة الجميلة العالمية التي يتحدث العالم كله بها والتي يستطع أن يفهمها كل الناس من الشرق إلى الغرب ومن الشمال إلى الجنوب، تلك اللفة التي لا تفرق بين جنس ولون وعرق ودين، تلك اللغة التي تجمع شعوب الدنيا على المحبة والإخاء والسلام.
تخيلت هذه المرة برامج موسيقية ثقافية ذات ألوان عربية تحدثنا عن علوم الموسيقى المختلفة (التأليف الموسيقي -التوزيع الموسيقى -علم الهار مونى – علم الكونتر بوينت – علم التدوين الموسيقي) والكثير من العلوم الموسيقية التي يعرفها كثير من شعوب العالم ولا يعرفها كثير من شعوبنا العربية للأسف الشديد.
توقعت أن تأتي الفضائيات العربية الموسيقية بكم هائل من الحفلات الموسيقية العالمية للموسيقى الكلاسيكية والموسيقى بكل أنواعها عبر البث المباشر وغير المباشر، وأن يعرفوننا على أحدث المستجدات في عالم الموسيقى، فنتعرف على موسيقيين عالميين معاصرين ونتابع أعمالهم ومسيرتهم الفنية ونكون على اتصال مستمر بما يجري بالعالم من حولنا، نتعرف على قائدي الأوركسترا الجدد الذين ظهروا في الأعوام الأخيرة وبات العالم كله يعرفهم إلا نحن .
تمنيت لو أن هناك برامج موسيقية تخصص لتعليم الأطفال العرب عبر تلك القنوات ن في فنون الموسيقى كالعزف على الآلات الموسيقية المختلفة ، واستضافة كبار العازفين العرب على مختلف الآلات الموسيقية ليشرحوا لأطفالنا كيف كانت مسيرتهم مع الموسيقى ؟و كيف استطاعوا أن ينموا موهبتهم؟ ، و من الذي كان وراء استمرارهم حتى وصلوا بهذه الموهبة الربانية الجميلة – والتي يختص بها الله سبحانه وتعالى بعض عباده بلا شك دون البعض الآخر – كيف وصلوا إلى ما وصلوا إليه الآن من شهرة ومجد؟ كيف استطاعوا أن يجعلوا التاريخ يذكرهم عبر سطوره لتتعرف عليهم أجيالا قادمة ؟، لإجادتهم للموسيقى ، وبراعتهم في العزف على الآلات الموسيقية ، أو في فن التأليف الموسيقي أو التوزيع أو التلحين أو التدوين الموسيقى .
كما تمنيت أيضا أن تُسلط تلك الفضائيات الموسيقية أضواءها على كليات التربية الموسيقية والتربية النوعية ومعاهد أكاديمية الفنون المختلفة الرائدة والتي خرجت أجيالاً من الفنانين في كافة التخصصات ، وساهمت في نشر الموسيقى عبر عالمنا العربي الكبير لتتعرف شعوبنا على تلك الكليات والمعاهد العريقة التي أسسها وبناها أساتذة مصريون، أفنوا عمرهم في خدمة التربية الموسيقية وفن الموسيقى بصفة عامة.
،تمنيت أن يعرف كل الناس في عالمنا العربي علماء وأساتذة الموسيقى المسؤولين عن تعليم أجيال وأجيال من معلمي ومعلمات التربية الموسيقية خريجي تلك المعاهد والكليات عبر الوطن العربي كله ، والذين أسهموا في كل دولهم بما لا يدع مجالا للشك في بناء نهضة موسيقية تربوية كبيرة ،لكن ، ويا لهذه الكلمة التي لا أحبها كثيرا لكن لا مانع أن نستخدمها لبعض التعبيرات الهامة ، (لكن كثيرا ما تأتي الرياح بما لا تشتهي السفن).
فلو كان حدث ذلك لما رأينا اليوم هذا الكم الهائل من الأغاني الهابطة ، التي ليس لها معنى أدبي أو فنى ، وليس لها أي معنى جمالي أو مفهوم ثقافي ، وباتت أكثر الهموم التي تزيد من هموم المواطن العربي، ولا تساعده في تخطي همومه الحياتية ، ولا تساعده في أن تكون ولو لمحة ترفيهية في حياته ، أو ترسم على وجوه البعض منا ابتسامة أو فرحة بسيطة ، قد تزيل كثيرا من تجاعيد تركتها بصمات الزمن على وجوهنا جميعا .
أعتقد أن سببها المباشر هو انسحاب الفن الجميل وغيابه عن وجداننا العربي الأصيل ، الذي لا يعرف عبر تاريخه سوى الجمال ولغاته المختلفة ، سواء كانت شعراً أو موسيقى أو فناً معمارياً عظيماً أو رسوماً أو تصويراً أو نحتاً إلى آخر تلك الفنون العربية الأصيلة.
ولعل من ابرز أسباب هذا الغياب : عدم مساهمة الفضائيات الموسيقية الكثيرة – على تنوع أسمائها – إلا أنها توجهت كلها ونحت كلها منحا واحدا فقط لا ثاني له، ألا وهو الفيديو كليب الغير واعي والغير هادف وكفى.
فهل نستسلم لكل هذا الكم اليومي الذي يصب فوق رؤوسنا كل ساعة بل كل دقيقة بل كل ثانية من أغاني ذات كلمات رديئة وبذيئة في أغلب الأوقات، وألحان تافهة ليس بها أدنى فكرة موسيقية، ومقام واحد لا يعرفون غيره أو على الأكثر مقامين، وأصوات منكرة، وحركات ليس لها غير معنى واحد هو إبراز كل ما لا يمت للفن الأصيل بصلة.
إذن فلماذا لا تتكاتف الجهود وندعو أصحاب تلك القنوات والمسؤولين عن وضع البرامج فيها والمشرفين عليها بأن يضعوا برامج موسيقية متخصصة على خريطة برامجهم فلا تكون الأربع والعشرون ساعة كلها للأغاني فقط بل تخصص برامج عن الموسيقيين وأخرى عن تعليم الموسيقى وعن المؤلفين وعن آخر اختراعات الآلات الحديثة وعن مواعيد الحفلات الأوبرالية من أوركسترا إلى باليه إلى أوبرا إلخ..
ولكن للإنصاف فبعض قنواتنا العربية تخصص برامجا للموسيقى وتنقل حفلات الأوبرا المصرية وحفلات راقية لموسيقيين كبار أمثال (عمر خيرت – ياسر عبد الرحمن – نصير شمه ) وغيرهم ، ولكنها لا تستمر في ذلك وأشعر على أنها تضعها على استحياء ، والدليل على ذلك أنك تكون في قمة سعادتك واندماجك بمشاهدة موسيقار كبير مثل الأستاذ عمر خيرت يعزف مع الأوركسترا أعمالاً رائعة من أعماله وفجأة تقطع القناة تلك الاندماجية بإذاعة أغنية ليس لها معنى دون أن ينتظروا حتى تنتهي الموسيقى نهايتها الطبيعة وتنهي معها أنت كمستمع أو كمشاهد اندماجك وتنتقل بعد ذلك إن شأت لتشاهد عملا آخر ، وهذا في اعتقادي نوع آخر من التعدي على حرية المشاهد وعلى لحظة استمتاع حقيقية قد تشكل لحظة فارقة في تشكيل جزء هام في وجدان المشاهد المحب للموسيقى .
فلكل تلك الأسباب وهذه الحيثيات أقول بأن :
الفضائيات الموسيقية …. ليست موسيقية.
د. عبد الكريم وزيزة
24نوفمبر 2007م
