بقلم د. عبد الكريم وزيزة

16/7/2017
علي الحجار والأغنية الصوفية
الحب الإلهي والهيام والسباحة في الملكوت اللامتناهي في عالم آخر بريْ جميل شفاف ورائع ومريح، ملييْ بكل ما يسمو ويعلو بالنفس ويرتقي بالروح في ملكوت حب المولى القدير سبحانه وتعالى، دون وسيط، ذلك هو الغناء الصوفي، كما يراه مبدعي ذلك النوع من الغناء.
وترى بعض المراجع أن أول من أسس للطرق الصوفية وأناشيدها في حب الله الشيخ عبد القادر الجيلاني والتي تنسب له الطريقة القادرية، حيث يذكر الباحث ” عبد المنعم الحفني في كتابه الموسوعة الصوفية” أن الشيخ (عبد القادر الجيلاني) (470- 561هـ)، (1077-1156م) مؤسس الطريقة القادرية، هو أول من أسس للطرق الصوفية ويلقب في المغرب بالشيخ (بوعلام الجيلاني). وينتشر أتباعها في تونس والمغرب العربي، وفي بعض بلدان الخليج العربي ومصر.
ومن المرجح أن أشهر من كتب أشعاراً للغناء الصوفي (جلال الدين الرومي) الذي عاش ما بين عامي (604 – 672 هـ)، حوالي (1207-1273 م)، وكان ذلك في مدينة قونية التركية التي عاش فيها وكان حاكماً لها، وتوفي فيها، بينما ولد في أفغانستان في مدينة بلخ، ووضع في قونية التركية أغلب أشعاره التي مازالت تنشدها بعض الطرق الصوفية حتى اليوم وخاصة (المولوية) التي قام أتباعه وابنه سلطان بعد وفاته بتأسيسها والتي تشتهر بالرقص الدائرية والزي الأبيض والطربوش الأحمر الطويل وهو ما يعبر عن السماح.

والطرق الصوفية هي مدارس تربوية تربي كل منها مريديها على حسب طريقة شيخ الطريقة في فهمه وفلسفته للتربية الصحيحة المرتبطة بروح الإسلام وجوهره وتعاليمه بدون تطرف وبدون غلو، هائمين سابحين في حب الله ورسوله وآل بيته صلى الله عليه وسلم بإنشاد الأناشيد الحماسية تارة وأناشيد الحض على فعل الخيرات وأناشيد وذكر في حب الله ورسوله.
ومن أشهر الطرق الصوفية في مصر (الرفاعية -الشاذلية – الأحمدية – البرهامية – العزمية – الخلوية – السعدية – الضيفية .. الخ ). وغيرها الكثير
وأضع بين آذان وقلوب وعقول حضارتكم اليوم بعض الأغاني الصوفية التي تغنى بها المطرب الفنان علي الحجار، من (مواجيد) سيدي الإمام محمد ماضي أبو العزائم ، وألحان الفنان الملحن البارع الماهر الأستاذ أحمد الحجار.

وكلمة (مواجيد) تعني نوع من القصائد المرتبطة بحالة (الوجد)، ولنتأمل الكلمات التالية التي تفيض رقة وعذوبة وصفاء ونقاء ومحاسبة للنفس
أتذّكُر إذ تُبرّعِمُ نُضرَةُ الكَلِماتِ مُذوَبَةً بعطرِ القلب
في شَفَتَيّكَ أغنيةً رَبِيعِيّه تُلعثِمُها طُيورُ الحب
بالرَبِواتِ سَنابِلَ غِبطَةٍ وخُطىً مُـجنَّحَةً بِأشّواقِك
إلى أينَ انّتهت أيامُكَ الخضراء
هل كانت لهذا العمر مرّقَاة إلى فِرّدوسِكَ الموعود
أم اِثاقلتَ في غفّله إلى الآثامِ والشَّهَوات
فقَامَ الدّربُ في تيهٍ منَ العَثَراتِ والظُلُمات
تناول الملحن الأستاذ الفنان أحمد الحجار تلك الكلمات في مقام نهاوند كردي على درجة الحسيني وببساطة للقراء الأفاضل الغير متخصصين:
المقام: هو ما يعادل السلم الموسيقي في الموسيقى الغربية مع اختلاف في بعض النغمات وترددها الصوتي بما يلائم الموسيقى الشرقية بوجه عام، فالمقام باختصار وكما يذكر أستاذنا أ.د نبيل شورى في كتابه (الموسيقى العربية تاريخ – أعلام- الحان) هو:
“الأسلوب المستخدم في صياغة الألحان وتركيبها”.
ومقام نهاوند كردي على درجة الحسيني يعن سلم (لا) الصغير الطبيعي في الموسيقى الغربية، إذن فنحن أمام ملحن يستخدم مقام أو سلم موسيقى مشترك بين مختلف الحضارات (الشرقية والغربية)
استخدم الملحن في البداية تمهيداً موسيقياً مستخدماً تآلف الدرجة الأولى في شكله الثلاثي اللحني (لا – دو -مي-لا)، ثم استخدم في بداية الغناء مسافة السادسة الصغيرة الصاعدة للدلالة على السؤال كلمة (أتذكر؟) ثم استخدم التتابع النغمي السلس والبسيط جداً باستخدام المسافات اللحنية المتتالية والتي لا تحتوي قفزات لحنية بين الدرجات الصوتية (في المقام أو السلم الموسيقي المستخدم)، واستخدم في النهاية (القفلة النصفية) وتكون على الدرجة الخامسة للمقام وهي هنا على درجة (مي) وهي الدرجة الخامسة لسلم (لا)، (أي التي لا تعطي إحساس بالنهاية التامة للأغنية) للدلالة التعبيرية للكلمات على الاستمرارية واللا منتهى في التقرب من الله والاستئناس بالحديث الروحي مع نفسه والسباحة في العالم الروحاني والصوفي.
لحن بسيط ورائع ومعبر وسلس لا يخلو من عمق الفكرة، وإبداع موسيقي يوضح ثقافة الملحن واطلاعه وحبه للصوفية، وتفوقه في تلحين مختلف القصائد والأشعار، فقد لا يستطيع كثير من الملحنين التعرض لتلحين مثل تلك الكلمات، وذلك لعدم إلمامهم الثقافي بالتصوف وأبعاده الروحانية.
فثقافة الملحن واطلاعه وإلمامه بكل ما يدور حوله في المجتمع وبمن حوله من الناس يؤثر بلا شك وينعكس في طريقة تفكيره، وفي كيفية تلحين الكلمات، وبالتالي يؤثر ذلك في مردودها في الصورة النهائية التي تصل في النهاية بصوت المطرب لتستقر في وجدان وقلب وعقل المستمع.
هل ستؤثر الأغنية في المستمع؟ هل ستبقى في وجدانه؟ هل سترتبط بخيال عنده أو بموقف إنساني أو اجتماعي أو وطني أو ديني الخ..؟
تلك هي الفكرة الإبداعية التي تلح على الملحن البارع الماهر الذي يستطيع توصيل معنى الكلمة ويصور موقفها وكل ما فيها من خيال وواقع بإحساس ودقة ورقة وبراعة.
وحتى لا أطيل عليكم سيتبع هذا المقال إن شاء الله بسلسلة المقالات أتناول في كل منها إحدى الأغاني الصوفية للمطرب الفنان (العميد) علي الحجار.
المقال القادم بإذن المولى سبحانه وتعالى حول أغنية (هو الحب)
علي الحجار
هو الحب
من مواجيد مولانا الإمام: أبي العزائم
لحن: أحمد الحجار
_____________
هوَ الحبُ يرفعُنا إلى العالمِ الأعلى
فيُشهدُنا نورَ الحقيقةِ والمولى
هو الحبُ حبُ الله يحي نفوسنا
وحبُ رسولِ الله من هو بي أولى
أُحبك يا خير النبيينَ إنني
أُشاهد نورَ اللهِ فيكَ لنا يُجلى
أُحبك حقا فوقَ روحي لأنني
بلغت الرضا بالمصطفى حيث لا أُتلى
تُحبك روحي بل وقلبي وقالَبي
وحبك نورَ الله للصب قد يولى
و حبك يا مولاى بَدئا و خاتما
لأنك خير الرسل و الذكر قد يُتلى
و مِن بيعة الرضوان خمر محبتي
و في ” و الضحى ” حبُ النبي فلا يُسلىَ
فداك حبيبَ اللهِ روحي و راحتي
فوداً به في طيبةٍ أبلغ الوصل
ولا يفوتني أن أشكر أخي الفنان صلاح علام Salah Allam الذي رفع بعض المواجيد على صفحته على الفيس بوك
ويمكنكم الاستماع إلى أتذكر من مواجيد الإمام أبو العزائم عبر الضغط على الرابط المرفق بهذا السطر.
كما لا يفوتني أن أشكر أخي وصديقي الشاعر الفنان أشرف جلال معاني لإلحاحه الجميل والصادق والذي يعطيني دفعة معنوية دائماً لاستكمال المسيرة وكل الشكر لأعضاء وعضوات الجروب الأكثر تميزاً جروب “مهاويس بحجارنا”
دمتم في رعاية الله وتمنياتي لكم بالاستمتاع بحس وأداء راق لكل ما هو جميل.
