ح آتــــوه (1)
بقلم د. عبد الكريم وزيزة

13/8/2016 – بورسعيد
كانت الساعة تقترب من الرابعة بعد الظهر في يوم من أيام شهر نوفمبر عام 1984 م عندما دخلت إلى حجرة زملائي الجدد في مدينة الطلبة بامبابة وهم طلاب يدرسون في كلية التربية الموسيقية بالزمالك – جامعة حلوان.
دخلت إلى حجرتهم بعد أن عرفت أنهما يسبقاني بعام في الكلية وأحدهم من بلدي (بورسعيد) والآخر من (أسوان) – فسبحان من جمع قلوب العباد من دون ميعاد – فإذا بهما يستمعان للشريط الجديد للأستاذ الفنان / علي الحجار وهو (ما تصدقيش)، وكنا في تلك الفترة نستمع إلى الشرائط على الكاسيت أو على ( ووكمان Wolkman) وهو الكاسيت الصغير المحمول تعلقه في حزام البنطلون وتضع في أذنيك السماعات التي توضع فوق الرأس ، كل ذلك حل محله الآن منذ عد سنوات ( الموبايل).

دخلت الحجرة الكائنة في الدور الثاني بإحدى مباني مدينة الطلبة في ذلك اليوم شتاء 1984م فإذا بالزميلين الكريمين يستمعان عبر هذا جهاز إلى شيء ما؟ وهما في غاية التركيز، حتى أنهما لم يشعرا بوجودي إلا بعد عدة دقائق.
وبعد التعارف وما إلى ذلك، كان فضولي الشديد لأن أعرف ما الذي يستمعان إليه وهما طالبان في الفرقة الأولى بكلية التربية الموسيقية التي بها سنة تحضيرية (إعدادي).
فقد تصورت أنهما يستمعان لسيمفونية القدر مثلاً (لبيتهوفن) أو السيمفونية (40)
( لموتسارت) أو لأعمال كلاسيكية أخرى ، حيث كان ذلك هو المقرر لنا أن نتعلمه من بين المواد الدراسية الموسيقية التي ندرسها في الكلية.
فإذا بهما يعطياني أحد (الوكمانين) لأستمع لذلك الصوت الرجولي القوي المليء بالدفيء والحنان والصدق والإحساس الجارف الذي “يبعدك عن كل ما أنت فيه ليجذبك إلى كل ما ترنو إليه”، صوت يعبر بصدق عن كل محب، وعن كل إنسان صادق نقي طيب، جميل يحب كل ما هو جميل ورائع في الحياة.
وأزعم أننا كنا طلاباً نحب الموسيقى والغناء ودخلنا ذلك الصرح العلمي الموسيقي الشامخ الكبير لكي ندرس ونتعلم ونفهم ونطبق فيما بعد ما تعلمناه.
، عندما وضعت سماعة الرأس لأستمع، سمعت مقدمة موسيقية تبدأ بأصوات الرجال والنساء تزوم بصوتين متقابلين صوت للنساء وصوت للرجال ويصاحبهما صوت دقة عازف الدرامز بقدمه اليمنى عندما يعزف على طبلة الباص bass drum.

وهي جملة موسيقية بسيطة ومعبرة يريد الملحن أن يهيئ المستمع من خلالها لمقدمات الأغنية وحكايتها، ثم تنتهي الجملة الصوتية البشرية ببداية جملة جديدة تعزفها الآلات الوترية بشكل تصاعدي سلمي يتخللها ضربات الطبول بشكل يوحي بضربات قلب المحب الغير مستقرة ، ثم تبدأ الجملة الموسيقية الأساسية التي تعتبر محور اللحن وفيها يعبر الملحن عن شكل يشبه الدوامة المعروفة لمن يسكنون على البحار ، وعادة تبدأ الدوامة بشكل دائري بسيط ثم تتصاعد وتزداد قوتها وحدتها وربما عنفها ، ويُعَبَّرُ عن ذلك في الموسيقى بمهارة الموزع الموسيقي الذي يستطيع أن يمزج أصوات الآلات الموسيقية باختلاف أنواعها وطريقة الكتابة لكل منها ، بحرفية ومهنية وبذوق وإحساس فني ، عالي ليوصل للمستمع إحساس الملحن وفكرته اللحنية وثقافته الموسيقية التي تعبر عن مضمون الكلمات التي ألفها الشاعر، وكل ذلك سوف يبدأ بعد ذلك في الانتشار ليستمع إليه الملايين من الناس المحبين لصوت المطرب الفنان عبر صوت المبدع المطرب الفنان الأستاذ / علي الحجار.
فعندما نحلل تلحين كلمة ( ح آتوه) وهكذا كُتبت الكلمة على الألبوم .
أراد الملحن المبدع / خليل مصطفى و الموزع الفنان الكبير المبدع / عماد الشاروني
الملحن والموزع الموسيقي عماد الشاروني
– أن يعبرا عن مضمون تلك الكلمة التي كتبها وصاغ عليها باقي كلمات الأغنية الشاعر المبدع / مصطفى رياض – أراد الملحن والموزع أن يعبرا عن فكرة (التوهة) من خلال المقدمة الموسيقية فاستخدم الموزع الآلات الوترية ( مجموعة الكمان) تعزف جملة واضحة بها شكل الدوامة المتصاعد ، ويلحقها ويرد عليها الآلات الوترية الأغلظ صوتاً ( مجموعة آلات الشيللو) ، ثم تبدأ جملة موسيقية أخرى غاية في الروعة تبدأها مجموعة الكمان ويصاحبها الأصوات النسائية في الطبقة الحادة وتسمى (Soprano) ، بآهات معبرة في جملة أخرى جديدة عن كل ما هو آت بعد لحظات ، ومن بعيد تعطي آلات النفخ النحاسية مع آلات الإيقاع ( الطبول) الضغط والنبر القوي في مواضع معينة اختارها الموزع لتعبر عن الضغوط التي تنتاب المحب ولتوصل للمستمع الرؤية التي يجب أن تصل له.
ثم يبدأ الغناء بكلمة (هاتوه) ويّا قلبي ما بين الزحام …. واعيش زي غيري واداري الآلام.
وأرجو المستمع الكريم أن ينتبه لغناء كلمة (هاتوه) وكيف تم استخدام (مد الواو) بحرفية عالية ليعبر عن طول التوهة وكيف تم تلحين تلك الكلمة بموسيقى تعبر عن شكل دائري يشبه دوامة البحر المتصاعدة إلى نهاية كلمة (آه) عبر جملة ولو يوم قابلتك … هخلي الكلام بدايته ابتسامة
نهايته سلام … إلى أن يصل إلى … وأتوه ويا قلبي ما بين الزحام في نهاية المطاف في الطبقة الصوتية العالية صادحاً (بآه) تعبر عن كل ما بداخله.
ولعلكم تتساءلوا أصدقائي من هما الزميلين الذين كانا سبب استماعي لألبوم (ما تصدقيش)، الأول الصديق الغالي الفنان الأسواني الأستاذ الدكتور / هاني محمد جمال أستاذ البيانو بكلية التربية النوعية جامعة عين شمس والثاني رحمه الله وأسكنه فسيح جناته الصديق الغالي الأستاذ الدكتور / ياسر النيلي وكيل كلية التربية النوعية بورسعيد.
وإلى لقاء في مقال آخر نستكمل الاستماع معاً لأغنية (ح آتوه من ألبوم ما تصدقيش)
ح آتــــوه (2)
بقلم د. عبد الكريم وزيزة
27/8/2016 – أبو ظبي
أصدقائي:
سنبدأ بالفقرة الأخيرة في المقال السابق ( ح آتوه1)
“وأرجو المستمع الكريم أن ينتبه لغناء كلمة (هاتوه) وكيف تم استخدام (مد الواو) بحرفية عالية ليعبر عن طول التوهة وكيف تم تلحين تلك الكلمة بموسيقى تعبر عن شكل دائري يشبه دوامة البحر المتصاعدة إلى نهاية كلمة (آه) عبر جملة ولو يوم قابلتك … هخلي الكلام بدايته ابتسامة
نهايته سلام … إلى أن يصل إلى … وأتوه ويا قلبي ما بين الزحام في نهاية المطاف في الطبقة الصوتية العالية صادحاً (بآه) تعبر عن كل ما بداخله”.
ثم تكون الإجابة على هذا السؤال موسيقياً من خلال اللازمة الموسيقية (وهي فاصل موسيقي صغير يمكن أن يستخدم بين الأبيات الشعرية أو بين المقاطع الغنائية للتعبير عما هو قادم من الموضوع أو التعبير عما سلف منه وكتمهيد للمستمع ليستقبل باقي الموضوع).
” ثم يبدأ الغناء بكلمة (هاتوه) ويّا قلبي ما بين الزحام …. واعيش زي غيري واداري الآلام.
ثم تتكرر الجملة الموسيقية الرئيسية والتي تعبر في مضمونها العام عن معاني الكلمات وموضوع الأغنية، وهي جملة موسيقية تستخدم كفاصل بين المقاطع الغنائية لإعطاء الراحة اللازمة لصوت المطرب ولإضافة لون جمالي وتأكيد المضمون اللفظي الذي تنبني عليه الأغنية بالموسيقى.
ثم يبدأ المقطع الغنائي التالي ويبدأ بـ ” ولو يوم سألتي” وهنا استخدم الملحن جملة السؤال (كأنك تسأل أحد ما سؤال ما بأي لغة) فيكون التعبير في نهاية السؤال يعطي دائماً الإيحاء بالاستفهام ويجب وضع علامة الاستفهام في نهاية الجمل باي لغة “؟ ” وكذلك في الموسيقى فهي لغة، فعندما نستمع للحن ” ولو يوم سألتي” ستتأكد من الاستفهام الواضح في نهاية كلمة سألتي حيث لم تنتهي الجملة بالإجابة وهذا يعد من حرفية الملحن ووعيه للتعبير عن معنى الكلمة بدقة وحرفية شديدة.
وهنا سبقت اللازمة الموسيقية الإجابة التي تقول كلماتها ” هقول إن حبي.. حكاية غرام.. نسجها خيالي خيالي طواها الظلام..”
فإذا دققنا السمع في هذه الجملة لنبحث ونستمتع باللازمة الموسيقية والتي تجدها بين كل كلمتين كالتالي: ” هقول إن حبي (لازمة موسيقية) حكاية غرام (لازمة موسيقية) نسجها خيالي خيالي طواها الظلام”(لازمة موسيقية)، كما يمكنكم أن تلاحظوا مدى استخدام الملحن لحروف المد في اللغة العربية والتعبير عنها أيضاً بمد لحني في كلمة ” غرام”، وهذا كله يعبر عن جمال الصَّنْعَة والحِرَفيَّة في التلحين، والذي يعكسه بكل دقة بعد ذلك صوت المطرب وأداؤه وإحساسه الرائع، الذي يدوم ويسجل في وجدان المستمع لتستطيع استرجاع الأغنية بداخلك وبإحساسك أنت بعد مرور العشرات من السنين لأنها باقية بداخلك تستطيع استدعائها وقتما شئت إذا ما كان هناك مثيراً ما أو موقف ما يجعلك تتذكر أغنية معينة أو مقطع منها بكل تفاصيلها التي تعيش بداخلك.
وفي رأيي المتواضع أن هذا هو السر في بقاء أغاني العمالقة الكبار الباقية أغانيهم لعشرات من السنين وربما تبقى لمئات ولآلاف السنين من حيث الكلمات واللحن والتوزيع والأداء أنها أخذت حقها أولاً من الصَّنْعَة الموسيقية بدقة بكل ما تحتويه كلمة الصَّنْعَة من معنى احترافي على كل المستويات السابق ذكرها.
وينتهي هذا المقطع بنفس نهاية المقطع الأول وأتوه ويَّا قلبي قلبي ما بين الزحام آه آه آه
ولو دققنا الاستماع لكلمة آه فكأنك ترى أمامك هذا الحبيب المكلوم والذي لا يجد سوى (الآه) لتعبر عن آلامه وأوجاعه (ويا لها من آلام وأوجاع)، وهنا يعبر عنها أداء الفنان علي الحجار من خلال الجملة الموسيقية التي لحنها الملحن ليبدأ بما يشبه الصراخ من أعلى طبقة ممكنة لصوت المطرب لتبدأ في الهبوط التدريجي بالطبقة الصوتية لتصل إلى الدرجة الأساسية الصوتية التي ينبني عليها أساس اللحن.
ولا أحب أن أدخل بالقارئ الكريم إلى تفاصيل استخدام المقامات العربية وما شابه من فنيات دقيقة قد لا تهم القارئ الغير متخصص، وللقارئ الكريم أن يعرف أن الشاعر والملحن والموزع والمطرب قد صنعوا إبداعاً ليس له مثيل بدليل بقائه كل تلك السنين مستخدمين كل ما لديهم من علم وموهبة.
وبعد تكرار اللازمة الموسيقية الرئيسية نصل إلى المقطع الأخير في الأغنية والتي يتأكد فيها المحب من أنه لم يعد له مكاناً في قلب حبيبته ” وعرفت إن أملك … ما ليش فيه مكان… وعقلك وقلبك ما بينهم خصام”
فتسمع في صوت الفنان علي الحجار وتحس نبرة الحزن والأسى ونبرة ضياع الأمل (وعرفت إن أملك) الأمل لم يعد موجوداً.. ضاع.. وهي أقصى درجات العذاب للمحب العاشق، واستطاع الملحن هنا أن يستخدم بضع درجات صوتية بسيطة بينها مسافات ضيقة وليست بعيدة ليعبر عن هذا المضمون بكل دقة وحرفية وصنعة.
هعيش يا حبيبتي يا حبيبتي وليكي مكان في عقلي وقلبي … الخ
تعود الموسيقى هنا لتعبر عن الأمل الذي لا يزال وسيظل موجوداً بقلب المحب وتنتهي أيضاً الأغنية بنفس (الآهه) التي استخدمت بين المقاطع.
عزيزي القارئ أرجو أن أكون قد وفقت في أن نستكمل استمتاعنا معاً بأغنية (ح آتوه)
كلمات: مصطفى رياض
ألحان: خليل مصطفى
توزيع: عماد الشاروني
غناء: علي الحجار
وإلى لقاء قريب.
د. عبد الكريم وزيزة
waziza@gmail.com

